‏إظهار الرسائل ذات التسميات *ادارة الوقت *. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 9 مارس 2015




مقاطع الجوالات.. تضيع الأوقات وتورث الحسرات

فضيلة الشيخ الجوال الدكتور محمد بن عبدالعزيز الخضيري:
هذه الخصلة عزَّت على كثير من الخلق وقصَّر عنها كثير من الناس وغفل عنها حتى الصالحون من عباد الله

كل ما لا يعنيك ولا يسرك أن تراه في صحيفتك يوم القيامة اتركه لله فإن هذا علامة على حسن إسلامك

متابعة: سليمان الصالح
هناك أمور لا يضر الإنسان الجهل بها كما أن معرفتنا بها لا تزيد حسناتنا ولا تزيد ثقافتنا، وليس كل مسلم محسن فهناك المسيء وهناك المحسن قال صلى الله عليه وسلم: (من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه).
فاحتسب ثواب ترك الغيبة فإن من يتحدث في أمور لا بد أن تقع فيها، احتسب كف الأذى عن المسلمين بعدم إحراجهم بالأسئلة الكثيرة والتطفل على خصوصياتهم.
اجعل وقتك لله تكن في عبادة دائمة ولأن سكت عن الكلام الكثير لله فأنت في عبادة وجهاد.
فضيلة الدكتور محمد بن عبد العزيز الخضيري عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين بالرياض يتحدث عن فضل ترك الكلام فيما لا يفيد بل كثيراً ما يضر، فمن حُسن إسلامه ترك ما لا يعنيه ولا يعيش حياته متطفلاً يؤذي الآخرين بتدخله في شؤونهم بل من كان هذا حاله يضر مجتمعه من حيث يدري أو لا يدري.

وصية النبي
يذكر فضيلته بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يوصي أمته بوصايا من أعمال الخير وجوامع الكلم التي إذا حفظ الإنسان منها جملة حصل بها خيراً كثيراً، وانتفع منها في سائر شؤون حياته، ومن ذلك قول النبي -صل الله عليه وسلم-: “إن من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”. ومعنى هذا الحديث العظيم أن دينك إذا أردت أن يكون حسناً، وإيمانك إذا أردت أن يكون كاملاً، وديانتك إذا أردت أن تكون سالمة من كل شائبة فعليك بهذه الخصلة.
هذه الخصلة التي عزت على كثير من الخلق، وقصَّر عنها كثير من الناس، وغفل عنها حتى الصالحون من عباد الله، وهي ترك ما لا يعني، ما هو الذي لا يعني؟

ما الذي لا يعنيك فتتركه؟
يبيَّن فضيلته ذلك فيقول: هو كل شيء لا ينفعك في دينك ولا دنياك، هو كل شيء لا تعده في آخرتك، هو كل شيء لا يسرك أن تراه في صحيفتك، لذا ينبغي أن يكون إسلامك حسنًا وإيمانك كاملاً أن تترك كل شيء لا تراه في صحيفتك محسوباً لك عند ربك.
كل ما لا يعنيك من الأقوال وكل ما لا يعني من الأخبار وكل ما لا يعني من تفقد شؤون الناس، والبحث في خصائصهم وأحوالهم، وكل ما لا يعني من المبصرات والمرئيات، كل ما لا يعني من التجولات والتحولات والمسيرات والذهاب والإياب في الأرض.
كل ما لا يعنيك ولا يسرك أن تراه في صحيفتك يوم القيامة اتركه لله، فإن هذا علامة على حُسن إسلامك وعلى انصرافك لما لا يعنيك.
قال النبي -صل الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه أبو هريرة: “احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، ولا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل” رواه مسلم.
يعني اعمل بكل شيء يوصلك إلى النفع في خاصة نفسك مع أولادك وأهل بيتك، مع موظفيك ومن تعمل معهم، احرص على ما ينفعك وإن أصابك شيء فلا ترجع بالملامة على القدر، وتقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فهذا من تقدير الله الذي لا محيد عنه ولا مناص عنه، ولهذا فأنت ترتاح لأنك فرغت جهدك وعملت في سائر وقتك بما ينفعك وما يعود عليك بالنفع.
فروقات بين الناس
ويؤكد د. الخضيري أن هناك فروقات بين الناس، فهذا إنسان ناجح متقدم متفوق يكسب السمعة الحسنة والمال الوفير والمكانة العالية، ولا يكسبها بنوم ولا يكسبها بعجز ولا بكسل، وإنما يكسبها بحرصه على ما ينفعه، وانشغاله عما لا يعنيه ولا ينفعه فهو منشغل عنه تارك له غير آبِه به.
وأما ذلك الرجل الذي تجده دائماً يسأل ويتفقد عن أحوال الناس وأخبار العالم ما يجري هنا وهناك مما يعنيه وما لا يعنيه ومما له فيه يد وما ليس له فيه يد، ففي الغالب أنه تجده منصرفًا عما يعنيه منشغلاً عما هو بصدده، بل بما أوجب الله عليه، فمتى رأيت نفسك منشغلاً بما لا يعنيك فاعلم أنك قد ضيعت على نفسك فرصًا.
يقول العلماء: “إن من أعظم ما ينشغل الإنسان عنه ويترك فيه ما لا يعنيه أمر الكلام، أمر اللسان الذي قال فيه ربنا -سبحانه وتعالى-: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)
ق: ١٨، وقال جلَّ من قائل:( لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)
النساء: ١١٤. أي مما يتحدثون به(لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)
النساء: ١١٤. وقال جلَّ وعلا في وصف المؤمنين:( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
المؤمنون(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3)وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ(4)
: ١ – ٤.
اللغو
أما اللغو فهو كل ما لا ينفع، هو كل ما لا يكون تحته خير، ابتعد عنه، تجنبه، تجنب أن تتحدث فيه، بل وتجنب أن تستمع إليه؛ لأنه يبلبل قلبك ويقلق نفسك ويغمك ويهمك.
ألا ترى نفسك أنك جئت إلى مجلس وأنت منشرح الصدر مسرور الخاطر، ثم جلست فسمعت رجلاً يقول كلمة تمنيت أنك لم تسمعها حياتك كلها كدّرت عليك مجلسك وكدّرت عليك يومك، وأصبحت مغتما لأجلها أياماً وليالي، تتمنى أن تنسى تلك الكلمة ولا تذكر منها شيئًا.
ولذلك برَّأ الله أهل الجنة من اللغو فقال جلَّ من قائل:(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا(31)حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا(32)وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا(33)وَكَأْسًا دِهَاقًا(34)لّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا(35)
النبأ: ٣١ – ٣٥، لا يسمعون فيها كلاماً لاغياً لا منفعة فيه ولا خير فيه، ولا يسمعون فيها كذباً ولا تكذيباً فلا أحد في الجنة يكذب، فلا تسمع خبراً كاذباً، ولا يمكن أن تجد أحداً في الجنة يكذبك فيقول لك بعدما تحكي واقعة لنفسك أو قصة مرت بك “كذبت” أو هذا غير صحيح. ووصف الله عباد الرحمن بقوله:( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)
الفرقان: ٧٢.
والله ما وسعت صدرك
فليترك المسلم ما لا يعنيك من النظر، وهذا إن كان في عصر مضى موجود فهو أكثر وجوداً في عصرنا هذا بعدما انتشرت المقاطع في أجهزة الكمبيوتر وأجهزة الهواتف الذكية، فأصبح الإنسان مشغوفاً برؤية ما جرى لفلان وفلان، أنظر لهذه اللقطة، انظروا إلى هذا الرجل ما يصنع، انظروا إلى هذا الفتى ماذا يفعل، انظروا إلى هؤلاء كيف يتسابقون، وإلى هؤلاء كيف يتضاربون..
ويمضي وقت الإنسان فتقول له بعد أن رأى عشراً أو عشرين مقطعاً يا فلان ماذا استفدت؟ ماذا انتفعت؟ فيقول فقط وسعت صدري!! والله ما وسعت صدرك خدرت صدرك ستشعر كأنك شربت خمرًا ضاع بها جزء من عمرك؛ لأن ضيق الصدر ستلاحقك بعد انتهائك من تلك المقاطع جزاءً لك على ما ضيعت من عمرك.
لو أن الواحد قرأ في كتاب الله، أو سبّح الله -عزَّ وجلَّ-، أو لو أن المسلم صل على النبي -صل الله عليه وسلم-، أو لو أنه قرأ في كتاب مفيد أو في علم نافع أو استمع إلى محاضرة أو إلى برنامج ينتفع به لكان خيرًا له من هذا الذي يفعل.

لا تنظر إلى ما في أيدي الناس
ويلفت الدكتور الخضيري إلى أحوال كثير من الناس الذين يضيعون وقتهم برؤية المشاهد والمناظر التي تغمّهم، مناظر مباهج الدنيا التي لا يقدر عليها فهو ينظر إليها ويتحسر ويقول: فلان أعطي وأعطي، وأنا لم أعطَ، فلان عنده قصر كبير وفيلا فخمة وأنا ليس عندي إلا شقة مؤجرة فيتحسر قال الله -عزَّ وجلَّ- (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى)
طه: ١٣١، لا تمدن عينيك إلى ما وسع فيه على أقوام من الخلق؛ فإن هذا لا ينبغي لك لأنه يعود عليك بالألم، ولأنه يجعلك تزدري نعمة الله عليك، ولذلك قال النبي -صل الله عليه وسلم-: “انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم”.

ضوابط ما يعني وما لا يعني
وهنا يأتي سؤال مهم في هذا الحديث العظيم المهم، يا ترى ما هو الذي لا يعني؟ وما الضابط فيه؟ هل الشيء الذي لا أهتم أنا به أو لا أرغب فيه ينبغي لي أن أتركه؟ أقول: لا، الضابط فيما يعني وفيما لا يعني هو شرع الله؛ لأن بعض الناس يجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما لا يعني، فإذا رآك تقول للناس يا فلان اتق الله، ارضِ والديك، يا فلان أصلحْ ما بينك وبين زوجتك، يا فلان أحسن إلى إخوانك، يا فلان قم إلى الصلاة..
قال يا أخي ما دخلك، لا تتدخل فيما لا يخصك، اترك ما لا يعنيك..!!
سبحان الله! هذا عين البهتان لشريعة الرحمن، هذا مما يعني؛ لأن الله أمرني أن آمر بالمعروف، وأمرني أن أنهى عن المنكر، وجعلني مسؤولاً يوم القيامة عن ذلك: “من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”.
واليوم ما ضرنا إلا كوننا نشتغل جميعاً فيما لا يعنينا، ونترك ما يعنينا، ومن أعظمه وأجله بعد ذلك الله -عزَّ وجلَّ- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قليل فينا من هو مرآة لأخيه ينصحه ويخاف عليه ويحثه على الخير وينهاه عن الشر، ما بقي فينا من شر متأصل ولا ظهرت هذه المظاهر التي تفشت في مجتمعنا وأصبحت مثل السوس في هذا المجتمع الذي بُني على الديانة والأمانة وعلى الصلاح والخير، ولكن بدأت تظهر فينا مظاهر سيئة للأسف؛ بسبب أني ساكت وأنت ساكت وتواطئنا جميعاً على السكوت، ففشت وظهرت هذه المنكرات، ثم أصبح الناس بعد ذلك ينكرون على من ينكر عليهم، ويستهزئون بمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر.
فالضابط في ترك ما لا يعني هو شرع ربنا -سبحانه وتعالى-، ليست آرائك وليست أهوائك وليست الآراء المضلة والمذاهب الفاسدة والبدع الزائغة، بل هو شرع الله وليس غيره

الأحد، 1 مارس 2015



الوقت والحياة

الحمد لله الذي كان بعبادة خبيرا بصيرا.
وتبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا.
وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يتذكر أو أراد شكورا.
وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا.
(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) (الفرقان:2)
والصلاةُ والسلام على من بعثَه ربُه هاديا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى اللهِ بإذنِه وسراجا منيرا، اللهم صلى وسلم على حامل لواء العزِ في بني لؤي، وصاحبِ الطودِ المنيفِ في بني عبدِ مناف ابنِ قصي، صاحبِ الغرةِ والتحجيلِ المذكورِ في التوراةِ والإنجيل، المؤيدِ بجبريل، المعلمِ الجميل، وعلى آله وصحبِه وسلم تسليما كثيرا.
دقاتُ قلبِ المرءِ قائلَةُ له ................. إن الحياةَ دقائقُ وثواني
فأرفع لنفسِك قبلَ موتِك ذكرَها ... فالذكرُ للإنسانِ عمرُ ثاني
أيها الناس!
ودعنا عاما قد انصرم، واستقبلنا عاما قد قدِم، ودعنا عاما ذهبَ بحسناتِه وسيئاتِه، نسينا ما فعلنا فيه، ولكن والله ما فعلنَا علمُها عند ري في كتابٍ لا يضل ربي ولا ينسى، غفلنا عما فعلنا ولكن ما غفلَ اللهُ عنا: (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)(الكهف: من الآية49). واللهِ ما فاتَ كتابُ اللهِ حسنةً ولا سيئة.
نعم ودعنا عاما منصرما، عامُ ذهبَ كأنَه لمحُ البصر، ولكن هيهاتَ ما ذهبَ من عِلمِ الله، وما ذهبَ من حسابِ الله، وما ذهبَ من إطلاعِ الله.
(قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ) (المؤمنون:112)، كم مكثتم! كم تهنئتم! كم أكلتم! كم شربتم! 
(قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ* قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ).
وذكرَ اللهُ عز وجل منتَه بالوقتِ والعمرِ على الناس، لكن أين من يتذكرُ العمرَ والوقتَ وهذه المنة، فقال عز من قائل: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ).
أي أولم نمهلكُم! أولم نترككُم، أولم نمدَ لكم فترةً تتذكرون فيها، وتعملون فيها، وتتدبرون فيها! ولكن هيهات.
وذكرَ اللهُ عز وجل قوما فأنكر عليهم، قوما اتخذوا حياتَهم لهوا ولعبا وعبثا وسدى وتفلتا على شرعِ الله، وتعدٍ على حدودِ الله، فقالوا في ساعةِ الندمِ ولات ساعةَ مندم: (قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ ).
وذكرَ عز وجلَ أن الشمسَ والقمرَ بحسبان، فهي لا تسيرُ إلا بوقتٍ وقدرٍ مقدر، وبلحظاتٍ محسوبةٍ عند الله، وفي آجالٍ مضروبة.
فيا من أنهى عامَه أما بحثتَ عن عامِك ماذا فعلتَ فيه! أما فتشت دفاترَك! أما تذكرتَ حسناتِك وسيئاتِك! واللهِ لتوقفنَ غدا عند من لا تخفى عليه خافية: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ).
(يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ)، الحسناتُ ظاهرة، والسيئاتُ شاهرة، لا يخفى على اللهِ شيء، يعلمُ السرَ وأخفى، يقولُ للعبدِ وهو يدنيه ويحاسبُه: فعلتَ يوم كذا وكذا، كذا وكذا، إنه اللهُ الذي يعلمُ السرَ وأخفى.
يا عبادَ الله!
عامُ انصرمَ عبثَ فيه العابثون، وأجادَ فيه المخلصون، أما الصالحونَ فادخروا أجل الحسنات، وأما المبطلونَ فكنزوا أقبحَ السيئات، فسوف يرى كلُ بضاعتَه يوم يبعثرُ ما في الصدور، ويحصلُ ما في الصدور: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ).
كان احفظَ الناسِ لوقتِه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، كان يحفظُ دقائقَه وثوانيَه مع الله، كلُ لحظةٍ تمرُ به عملا صالحا يرفعُه إلى الواحدِ الأحد.
يقول ابنُ القيمِ في كلامٍ ما معناه: كان كلامُه صلى الله عليه وسلم ذكرا لربِه، وفعلُه ذكرا، وحركاتُه، وسكناتُه، وليلُه ونهارُه، وحلُه وترحالُه، وكلَ لحظةٍ في حياتِه ذكرا للهِ الواحدَ الأحد.
بل كان يقولُ كما عند البخاري: نعمتانِ مغبونُ فيهما كثيرُ من الناسِ؛ الصحةُ والفراغ. أي كثيرُ من الناسِ يخسرونَ الصحةَ، ويخسرونَ الفراغَ، في المعاصي، في الشهوات، في المخالفات، في سماعِ الأغنياتِ الماجنات، في المعاصي التي تغضبُ رب الأرضِ والسماوات، في المجلاتِ الخليعات، في المسرحيات، في المسلسلات، في السفر إلى البلادِ التي غِضبَ عليها الله ليعملوا فيها المعاصي التي تتهتكُ بهم في نارِ جهنمَ وبأس المصير.
كان عليه الصلاة والسلام يقول كما عند الترمذي بسندٍ حسن: اغتنم خمساً قبل خمس: شبابَك قبل هرمِك , وحياتَك قبل موتك , وفراغَك قبل شغلك , وصحتَك قبل مرضك , وغنَاك قبل فقرك.. 
فيا من أذهبَ لياليَه وأيامَه في الهذرِ والمذر، يا من أذهبَ أيامَه في الهذيان، وفي مخالفةِ الواحد الديان، وفي إغضابِ الرحمن، وفي الطغيانِ والعصيان والعدوان، أمامَكَ عامُ جديد، أتي يقولُ لك: يا ابنَ آدم أغتنمني في الحسنات، فوالذي نفسي بيده لأِن ذهبتُ عنكَ لا أعودُ إليك أبدا.
ولذلكَ تواصى الصالحونَ بحفظِ العمر، وبحفظِ الأوقات، فقد كان الربيعُ ابنُ خُثيم يكتبُ كلامَه من الجمعةِ إلى الجمعة، ويحاسبُ نفسَه مساءَ كلِ سبت.... لا إله إلا الله! ليتَه يدري أن من الناسِ من يركبُ في اليومِ الواحدِ خطايا كالجبال، وهو يضحك، ولا يكتبُها ولا يتذكرُها، ولا يدري بها، ولكن علمُها عند ربي في كتابٍ لا يضل ربي ولا ينسى.
قالَ أحدُ الصالحينَ لنفسِه: يا نفسُ كم تنامين! واللهِ لتنمنَ في القبرِ نومَةً طويلة:
أتيتُ القبورَ فناديتُها ... أين المعظمُ والمحتقر!
تفانوا جميعا فما مخبرُ ... وماتوا جميعا ومات الخبر
فيا سألي عن أناسٍ مضوا ... أمالك في من مضى معتبر
تروحُ وتغدُ بناتُ الثرى ... فتمحُ محاسن تلك الصور
قيل لسفيانَ الثوري: أجلس معنا نتحدث.
قال: كيف نتحدثُ والنهارُ يعملُ عملَه، ما طلعت الشمسُ إلا كانت شاهدةً على العبادِ في ما فعلوا.
ذكرَ ابنُ رجب أنه قيلَ لكرزِ ابنُ وبرَه: ألا تجلسُ معنا. قال: احبسوا الشمسَ لأجلسَ معكم.
ألا ترى الليلَ والنهارَ كيف يمرانِ في صرمِ الأعمار، ألا ترى إلى الدقائقِ والثواني لا تعود، ألا ترى إلى الشمس إذا غربت فلا يمكنُ أن تأتي في اليومِ الذي صرمتَه.
نروحُ ونغدو لحاجتِنا .. وحاجةُ من عاشَ لا تنقضي
تموتُ مع المرِ حاجتُه .... وتبقى له حاجةُ ما بقي
ولذلك شكى وبكى الصالحون والطالحون ضيقَ العمر، وبكى الأخيارُ والفجارُ انصرامَ الأوقات، فأما الأخيارُ فبكوا وندموا على أنهم ما تزودوا أكثر، وأما الفجارُ فتأسفوا على ما فعلوا في الأيامِ الخالية.
قال أهلُ السيرِ: حضرت الوفاةُ نوحا علي السلام، فقيل له يا نوحُ كم عشت؟
قال ألف سنة.
قالوا كيف وجدت الحياة؟
قال والذي نفسي بيدِه ما وجدتُ الحياةَ إلا كبيتٍ له بابان دخلتُ من هذا وخرجتُ من الآخر.
فيا ابنَ الستينَ والسبعين أنت ما عشت ألفَ سنة، فكيفَ تصفُ الستينَ والسبعينَ في معاصِ الله، وفي انتهاكِ حدودِ الله، وفي لتجرئِ على حُرماتِ الله؟
ذكروا عن الجنيدِ ابنُ محمدٍ أن الوفاةَ حضرتُه، فأخذ يقرأُ القرآنَ في سكراتِ الموتِ ويبكي، فقالوا له تقرأُ القرآن وأنت في سكراتِ الموتِ! قال سبحانَ الله، من أحوجُ مني بقراءةِ القرآنَ وقد أصبحت لحظاتِ تعدُ عليَ، أو كما قال.
وندمَ كثيرُ من المفرطينَ يومَ أتتهم سكراتُ الموت.
قال الذهبيُ أتت سكراتُ الموتِ عبدَ الملكَ ابنَ مروان، الخليفةَ الأموي، فأخذَ يتجرعُ كأسَ الموت، ويذوقُ الموت، ويشربُ الموت، ويأكلُ الموتَ وهو في تلكَ الساعة التي يذلُ فيها الجبار، ويذعنُ فيها المتكبر، ويفتقرُ فيها الغني، سمعَ غسالا بجانبَ قصرِه في الوادِ يغسلُ ملابسِه ويُنشدُ نشيدا، ما علمَ هذا الغسالُ بموتِ عبدِ الملك، وما أدراهُ بموتِ عبد الملك، ماذا أهمَه من موتِ عبد الملك!
فأخذَ عبدُ الملكِ يقولُ وهو يبكي: يا ليتني كنتُ غسالا، يا ليتني ما عرفتُ الخلافة، يا ليتني ما توليتُ المُلَك.
قال سعيدُ ابنُ المسيبِ لما بلغتُه هذه الكلمات: الحمدُ لله الذي جعلَهم يفرونَ إلينا وقت الموتِ ولا نفرُ إليهم.
وأما ابنُه الوليدُ ابنُ عبد الملكِ وليُ العهدِ الذي تولى الملكَ والخلافة، فلما حضرتُه الوفاة نزل من على كرسيِ المُلك ومرغَ وجههُ في الترابِ، وندمَ وتلبطَ بالحصى وأخذ يبكي ويقول: ما أغنى عني ماليَ هلكَ عني سلطانيَ.
وأما هارونَ الرشيدِ الذي ملكَ الدنيا من أسباني إلى السندِ ومن طاشكند إلى جنوبِ أفريقيا فإنَه قد أكمل بناءَ قصرِه قبل أن يموت بليال، ثم قال للشعراء امدحوا القصرَ وصاحبَ القصر، فدخل عليه أبو العتاهيةَ الواعظُ الزاهدُ فقال لهارونَ الرشيد، يا هارونُ نظمتُ فيك وفي قصرِك أبياتا، قال أسمعني، فقال:
عش ما بدا لك سالما في ظلِ شاهقةِ القصور.
قال هيه، يعني زد. قال:
يجري عليك بما أردتَ مع الغدو مع البكور.
قال هيه، قال:
فإذا النفوسُ تغرغرت بزفيرِ حشرجتِ الصدور .. فهناك تعلمُ موقنا ما كنت إلا في غرور.
فبكى السلطان، ونزل من على كرسيه، وما لبثَ أياما إلا وقد فاجأه الموتُ، فأخذ يتلفتُ في كتائبِ الجيشِ، في الحرس، في الأمراء، في الوزراء، وأخذ يرفعُ طرفَه إلى السماء ويقول: يا من لا يزولُ ملكُه أرحم من قد زال ملكُه.
وقد نبتت نابتةُ في الأمةِ الإسلاميةِ شبابا وشيبا، فقد عاشوا العمرَ المنصرمَ فعاشَوه في الضياع، وصرفُوه في المعصية، ودفعُوه ثمنا باهظا، وتكاليفا ضخمةً لغضبِ من اللهِ عز وجل.
ليلُهم –إلا من رحم ربُك- في سهرٍ لا ينفع، سهر موصولٍ بالعناء، سهرٍ في ليالٍ حمراء، في لعبِ بلوت، أو سهرٍ ضائع، أو في سفرٍ مضني، أو في غيبةٍ ونميمة، أو في شهادةِ زور، أو في مجالسَ في المقاهي.
وإنا ندعوهم في بدايةِ هذا العام أن يجددوا توبتَهم، وأن يعودوا إلى مسيرةِ ربِهم، وأن ينهجوا سنةَ نبيِهم عليه الصلاةُ والسلام.
نقولُ لأنفسِنا ولهم أقبل العام، ودخلَ العامُ الهجري، فاستقبلوه بتوبةٍ نصوح: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ).
(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي .... جعلتُ الرجاء ربي لعفوِكَ سلم
تعاظمني ذنبي فلما قرنتُه ....... بعفوكَ ربي كان عفوكَ أعظمُ
أقولُ ما تسمعون، وأستغفرُ الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التوابُ الرحيم.
....................
الحمدُ لله وليُ الصالحين، ولا عدوانَ إلا على الظالمين، والصلاةُ والسلام على إمامِ المتقين، وقدوةِ الناسِ أجمعين، وحجةِ اللهِ على الهالكين، وخيرَة المرسلين، وصفوةَ النبيين، وعلى آله وصحبِه والتابعين.
أما بعد أيها الناس!
انقسمَ كلُ جنسٍ من الناسِ في العامِ المنصرمِ إلى قسمين:
فالعلماء انقسموا إلى قسمين:
قسمُ خافَ اللهَ في علمِه، وراقبَ اللهَ في بضاعتِه، فأمرَ بالمعروفِ ونهى عن المنكرِ، وأنفقَ مما أتاهُ الله، وبثَ العلمَ الشرعي الذي أعطاهُ الله، فجزاءُه أن يلحَقَهُ اللهُ بالنبيين والمرسلين، وأن يبوئَهُ مقعدَ الصديقينَ في الخالدينَ يوم العرضِ الأكبر.
وعالمُ اشترى بآياتِ اللهِ ثمنا قليلا من الدنيا، فكتمَ ما آتاهُ الله، وجحدَ نعمةَ الله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).
هذا العالمُ شراء بآياتِ اللهِ ثمنا قليلاً من حب الدنيا، ومن اصطيادِ مفاتِنِها، ومن التهتكِ في شهواتِها، ومن الارتشاء، وغيرِها من الأمور، فآن له أن يتوب في مطلعِ العام الهجري الذي استهلَ أيامَه قبل أيام.
وانقسم المسئولون على قسمين:
قسمُ خاف اللهَ في يومِ العرضِ الأكبر، وعلمَ أن أحكمَ الحاكمينَ هو الله، الذي لا يعذبُ عذابَه أحد، ولا يوثقُ وثاقَه أحد، الذي لا يغادرُ صغيرَة ولا كبيرةً إلا أحصاها، الذي يوقفُ الناسَ حفاةً عراة، غرلا بهما يومَ يشتدُ الكربُ من النفوس، وتدنو الشمسَ من الرؤؤس، أدرك ذلك فراقبَ اللهَ في وظيفتِه، وفي عملِه، فإن حكَم حكمَ بالعدل، وإن عمِل عملَ بالنصح، فهو صادقُ حظهُ وأجرُه على اللهِ الواحدِ الأحد.
وقسمُ خانَ اللهَ في رسالتِه، وغشَ اللهَ في معاملتِه، فأخذ منصبَه ووظيفتَه حربا لأولياءِ اللهِ، وحربا لدينِ الله، فذلك جزاءُه أن يحشرَ مع فرعونَ وأبي ابنُ خلف وأمثالِهم وأضرابِهم يومَ لا ينفعُ الظالمون معذرتُهم ولهم أللعنةُ ولهم سوءُ الدار. 
وانقسمَ الشبابُ إلى قسمين:
شابُ عكفَ على القرآنِ، فاستحلىَ محاليه، ونزلَ في ميادينِه، وهبطَ في أوديتِه، فتدبر معانيه، واسترضعَ ثديَه، واستحكمَ أحكامَه، ورشف رحيقَه، وتلبس بلباسِه، قام به فتهجدَ في الليل، وعمل به في النهار، ونشرَه في الناس، وقف عند حدودِه، وتعلمَ من علومِه، ودرس دروسَه، فهذا شابُ ناصحُ مُفلح، هذا الشاب جعل المسجدَ مصلاه، وحديقتَه وبستانَه، فالتقى بإخوانِه الشباب، هذا الشاب تجمل بالسنةِ على ظاهرِه، فتجملَ وتشرفَ بسنةِ محمدٍ عليه الصلاةُ والسلام، فأسكن سنةَ الحبيبِ قلبَه وعينَه وسمعَه، ورجلَه ولحيتَه ولباسَه فكانَ أحبُ الناسِ إليه محمدا عليه الصلاةُ والسلام، فكان لسانُ حالِه يقول:
نسينا في ودادِك كل غالي ..... فأنت اليومَ أغلى ما لدينا
نلامُ على محبتِكم ويكفي ....... لنا شرفُ نلامُ وما علينا 
ولمَ نلقكم لكن شوقا ............ يذكرُنا فكيف إذا التقينا 
تسلى الناسُ بالدنيا وإنا ...... لعمرُ الله بعدَك ما سلينا 
هذا الشاب جعل من كتبِ السنةِ موصِلا ومنهجا وسيرةً وقدوةً ونبراسا، هذا الشابُ داعيةً في مجتمعِه كثّر اللهُ من أمثالِه.
وشابُ آخر صرف أوقاتَه في اللهو والعبث، مسجدُه المقهى، وسواكُه السيجارة، ومصحفُه المجلةُ الخليعة، وتلاوتُه الأغنيةُ الماجنة، إذا سافر الأخيارُ إلى مكةَ للحجِ والعمرة، سافرَ إلى بلادِ الكفرِ للمعصيةِ والزنى والفاحشة، إذا أتى الشبابُ إلى المساجد خرجَ على مساجدِ الشيطانِ المقاهي، إذا قرأ الشبابُ القرآنَ وبكوا من آياتِه، وتأثروا من عبرَ الواحدِ الديان أخذ المجلةَ الخليعةَ والجنسَ والفيديو والمسلسل والمسرحية، إذا عكف الشبابُ على الدعوةِ، وعلى تدارسِ العلم عكف على ما يمليِ الشيطانُ وأذنابُ الشيطان من سندِ فرعون وستالين ولينين وأذنابُ الحداثةِ أعداءُ اللهِ عليهم لعنةُ اللهِ وغصبُ الله.
وانقسم الشيوخُ إلى قسمان:
شيخُ اقتربَ من القبرِ، أقتربَ من الستين، فلبسَ كفنَه، وأيقنَ انه أصبح من القبرِ قاب قوسينِ أو أدنى، فأكثرَ من الاستغفارِ وحبسَ لسانَه عن الفاحشةِ والغيبةِ والنميمة وشهادةِ الزور، وأقبل يجددُ توبتَه، ويستعدُ للموت، وكأن الموتَ أصبحَ يلازمُه صباحا مساء.
وشيخُ آخر نسيَ اللهَ في شيخوختِه، فأصبحَ أشيمطَ يرتكبَ المحرمات، همُه شهادةَ الزور، لا يعرفَ الذكر، وهمُه المشاكل، وإحداثِ الفتنِ بين الأسرِ والقبائل، وجلبِ الأموالِ من غيرِ حلِها والتهتكِ في الربا، وعدم الحياءِ من الله، وقد أتاه النذيرُ: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ، قال ابنُ عباسٍ النذيرُ هنا الشيبُ، ثلاثةُ لا يكلمُهم اللهُ ولا ينظرُ إليهم ولا يزكيهم ولهم عذابُ أليم، وذكر منهم (أشيمطُ زاني)، شيخُ شابت لحيتُه وشاب رأسُه لكن ما استحيَ من الله، تهتكَ في حدودِ الله، وأعرضَ عن منهجِ الله.
هذه الأجناسُ هي أقسامُ الناسِ في العامِ المنصرمِ والعامِ الذي قبلَه، فنسألُ اللهَ أن يصلحَ الحال، وأن 
يتوب على سيء الحال الذي ما عرف ذي الجلالِ والإكرام.
عباد الله، صلوا وسلموا على من أمرَكم اللهُ بالصلاةِ والسلامِ عليه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً. وقد قال عليه الصلاةُ والسلام: من صلى علي صلاةً واحدةً صلى اللهُ عليه بها عشرا.
اللهم صلي على نبيك وحبيبِك محمد، واعرض عليه صلاتَنا وسلامَنا في هذه الساعةِ المباركة، وأرضى اللهم عن صحابتِه الأطهار من المهاجرينَ والأنصار، ومن تبعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
الهم أصلح أئمتنا وولاةَ أمورِنا، اللهم وفقهم لما تحبُه وما ترضاه، اللهم اكتبِ الإيمانَ في قلوبِهم، اللهم حببهم إلى القرآن، اللهم اجعلهم من حملةِ لا إله إلا الله، ومن أنصارِ لا إله إلا الله، ومن حفظةِ لا إله إلا الله.
اللهم أهلَ علينا هذا العامَ الجديدَ بالأمنِ والإيمان، والسلامةِ والإسلام، والعفوِ والرضوان، والمغفرةِ والرحمةِ يا واحدَ يا ديان.
اللهم أجعلهُ عاما حافلاً بالحسناتِ والصالحات، اللهم تب فيه على المذنبين، واقضي الدينَ فيه عن المدينين، وأشفي مرضى المسلمين يا رب العالمين.
اللهم أعد فيه شبابَنا، وأصلحِ فيه حالَنا، وقوي فيه مجدنَا، وأقم فيه علمَنا، وأعد فيه نصرَنا.
اللهم إنا نسألُك فيه من العيشِ أرغدَه، ومن العمرِ أسعدَه، ومن الوقتِ أتمَه، ومن الزمنِ أعمَه.
اللهم أجعلنا من قومٍ حفظوا الأوقات، فاستثمروها في الحسنات، وادخروها في أكبرِ الصالحات.
اللهم ولا تعلنا من قومٍ جعلوا حياتَهم لهوا ولغوا وعبثا، فخسروا أوقاتَهم، ودمروا أعمارَهم، ونسوا ربَهم، وسودوا صحائفَهم.
اللهم تقبل منا أحسنَ ما عمِلنا، وتجاوز عن سيئاتِنا في أصحابِ الجنةِ وعد الصدقِ الذي كانوا يوعدون.
ربنا إننا ظلمنا أنفسَنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنة وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزةِ عما يصفون، وسلامُ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. 
 


فن اختيار الوقت في الموعظة

 بسم الله الرحمن الرحيم

يُشكِّل اختيارُ الوقت ومناسبته للحال عاملاً مهمًّا في نجاح الواعِظ في دروسه مِن نواحٍ عدَّة، منها:

1- اختيار الوقت المناسِب للوعْظ والإرشاد، فليس كلُّ وقت يصلح لوعْظ الناس وإرشادهم.
2- ومِن ناحية الموضوع ومناسبته للحال، فليس كلُّ ما يُعلم يُقال، ولا كلُّ ما يُقال يناسِب الحال.
3- ومِن ناحية استعداد المدعُوِّين نفسيًّا لسماع ما يُلقَى عليهم مِن دروسٍ ومواعظَ، لا بدَّ مِن مراعاة ذلك، مِن خلال التفرُّس في وجوه مَن يَحضُرون الدرس.

ولهذا سنبيِّن - أولاً - منهجَ الرسول الداعي الأوَّل - صلَّى الله عليه وسلَّم - في استغلاله لعامِل الوقْت في الدعْوة إلى الله في مناسبات عِدَّة، تتعلَّق بمعاش العِباد، وأمور حياتهم ومعادهم، وما كان الرسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يتَّبعه مِن أساليبَ في إيصال الحقِّ إلى الناس، ثم نبيِّن ما على الداعي إلى الحقِّ من أساليبَ ناجحة، تُمكِّنه من أن يؤثِّر فيمن يدعوهم ويعلِّمهم، ومِن الله التوفيق والسداد.

منهج الرسول في اختياره للوقت في الدعوة:
ويكمن ذلك المنهج السديد في نِقاط عدَّة، منها:

1- عدم إطالة الموعِظة؛ خشيةَ الملل والسآمة:
وهو ممَّا كان يحرِص عليه الرسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقد قال ابنُ مسعود - رضي الله عنه -: "إَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏- صلَّى الله عليه وسلَّم - ‏كانَ ‏يَتخَوَّلُنا بالموْعِظَةِ في الأيَّامِ؛ كراهِيَةَ السَّآمةِ عليْنا"[1]، ولم يكن مِن هديه إعطاءُ دروسٍ في جميع الأيام؛ ذلك لأنَّ دعوته تأخذ أشكالاً مختلفة، تارةً بالقول، وأخْرى بالسلوك والقُدوة الحسنة.

2- استغلال الحَدَث والموقِف في التعليم والتربية:
فقد جاء في الحديثِ عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - أنه قال: "خرجْنا مع النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في جنازة رجلٍ من الأنصار، فانتهَيْنا إلى القبر، فجلَس رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وجلسْنا حوله، كأنَّ على رؤوسنا الطيرَ، وفي يدِه عُودٌ ينكت به في الأرض، فرفَع رأسه فقال: ((استعيذوا بالله مِن عذاب القبر..))[2]، والموعظة عندَ القبر كان يفعلُها - صلَّى الله عليه وسلَّم - أحيانًا.

وجاء في حديث قدوم تجَّار البحرين، حيث رأى مِن حرْصهم، فاستغلَّ الموقف في توجيه نصيحةٍ تربوية انطوتْ على تحذيرٍ من فِتنة الدنيا، وتبشير للأمَّة بالرخاء المادي، فقال: ((فأبشِروا وأمِّلوا ما يَسرُّكم، فواللهِ لا الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسَطَ عليكم الدنيا، كما بُسطِت على مَن كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتُهلككم كما أَهْلكتهم))[3].

3- إطالة الموعظة أحيانًا لطارئٍ أو حادثٍ مهم:
وممَّا يدلُّ على ذلك موعظتُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن أمور جِسام ستَقع في الأمَّة، حتى طالتْ موعظتُه فوقَ العادة، ففي صحيح مسلم عن عمرِو بن أخطبَ - رضي الله عنه - أنَّه قال: "صلَّى بنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الفجرَ، ثم صعِد المنبر فخطَبَنا حتى صلاة الظهر، ثم نزَل فصلَّى بنا الظهر، ثم صعِد المنبر فخطَبَنا حتى صلاةِ العصر، ثم نزَل فصلَّى العصر، ثم صعِد المنبر فخطبَنا حتى المغرب، فما ترَك شيئًا مما يكون إلاَّ أخْبر به أصحابَه، حفِظَه مَن حفِظه، ونسِيَه مَن نسيه، يقول: فأعْلَمُنا أحفَظُنا"[4].

4- تحيُّن الموعظة عندَ إقبال السامِع وفراغِه ونشاطه، وتَرْكها عند انشغالهم، فهو أدْعَى إلى القَبول:
ومِن ذلك: أمرُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - المدعوين بالانصراف إلى أهلِهم؛ لما رأى من تشوُّقهم إليهم؛ فعن أبي سليمان مالكِ بن الحويرث - رضي الله عنه - قال: "أتَيْنا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ونحن شبَبَةٌ متقاربون، فأقمْنا عندَه عشرين ليلة، وكان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - رحيمًا رفيقًا، فظنَّ أنَّا قد اشتقْنا أهلنا؛ فسَألْنا عمَّن تركْنا من أهلنا، فأخبرْناه، فقال: ((ارْجعوا إلى أهلكم، فأقيموا فيهم، وعلِّموهم وبرُّوهم، وَصَلُّوا كذا في حين كذا، وصلُّوا كذا في حين كذا؛ فإذا حضرتِ الصلاة فليؤذِّن فيكم أحدُكم، وليؤمَّكم أكبرُكم))"[5]

5- مناسبة المقال لمقتضَى الحال:
فقد كانت مواعِظُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - واختياره الأمثل لمقتضَى الحال، مما له أبلغُ الأثر في المدعوِّين في حالة الفَرَح أو الحزن وغيرها مِن الأحوال في عامَّة مواعظِه وإرْشاده - صلَّى الله عليه وسلَّم.

6- توجيه الأنظار للتدبُّر والتفكُّر:
كان الرسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يستغلُّ عامِل الوقت والزمن؛ لأجْل صرْف العقول للتدبُّر في خلْق الله، وعجائب قدرته، مثْل وقت كسوف الشمس، وخسوف القمر وهبوب الرِّياح، فقد قال عندما وقَع الكسوف: ((إنَّ الشمس والقمر آيتان مِن آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد، ولكن الله تعالى يُخوِّف بها عباده))[6].

7- أوقات إقبال القلْب على ربِّه أدْعى لقَبول النُّصح والإرشاد، خاصَّة بعد صلاة الفجْر، وفي الحديث عن أبي نَجيح العِرْباض بن سارية - رضي الله عنه - قال: وعظَنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - موعظةً بليغة، وجلتْ منها القلوب، وذرفَتْ منها العيون، فقلنا: يا رسولَ الله، كأنَّها موعظة مودِّع، فأوصِنا، قال: ((أُوصيكم بتقوى الله، والسَّمْع والطاعة، وإنْ تأمَّر عليكم عبدٌ حبشي، وإنَّه من يعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومُحْدَثاتِ الأمور، فإنَّ كل بدعة ضلالة))[7]، وكان ذلك بعدَ صلاة الفجْر، وهو وقتٌ تكون فيه النفوس بعيدةً عن الشواغِل والملهيات.

8- الترغيب في العمل الصالِح في أوقات ومناسَبات معروفة؛ مثل: صيام يوم عاشوراء ورمضان، وشوَّال وذي الحجَّة، وصلاة الاستسقاء، وما يناسِب تلك الحال مِن موعظة وإرشاد.

9- الحثّ على التوبة في وقْت الاحتضار:
وهي لحظةُ انتقال الإنسان إلى عالَم جديد، يتقرَّر فيه مصيرُه؛ فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "كان غلامٌ يهوديٌّ يخدُم النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فمَرِض، فأتاه يعوده، فقعَد عند رأسه، فقال له: ((أسْلِم))، فنَظَر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطِعْ أبا القاسم، فأسلَمَ، فخرج النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو يقول: ((الحمد لله الذي أنْقذَه مِن النار))[8].

لقد حقَّقت دعوة الرسول الكريم انقلابًا عجيبًا في كيان الإنسان، بفضْل ما كان يمتلكه من وسائلَ فعَّالة ناجحة في الدعْوة إلى الله، فقد تحوَّل ذلك الإنسانُ مِن محبٍّ عاشِق للدنيا يموت ويحَيا مِن أجلها، لا يُفكِّر أبعد مِن شهوته وبطنه، إلى إنسانٍ يفكِّر ويجول نظره في الكون الفسيح، إلى ما وراء ذلك مِن الشوق إلى نعيمِ الآخِرة ولذَّتها، يحمل هَمَّ الدعوة والجهاد في سبيل الله، وإخراج مَن حوْله مِن البشر مِن ظُلم العباد إلى عدْل الإسلام ومساواته، ومِن عبادة الحجَرِ والبشر إلى عبادة الديَّان الذي لا يموت.

وما في قصص الصحابة الأوائل مما عجَز التاريخُ عن تفسيره، إلا بفِعْل الإيمان والتربية الحقَّة التي تلقَّوْها من المربِّي الأول، والمعلِّم الكريم محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم.

ما ينبغي على الداعي مراعاته:

ينبغي على الداعي أن يُراعيَ عامِلَ الوقت؛ حتى يكونَ ناجحًا في مواعظه، وإلا ملَّتْه النفوسُ، وسَئِمت مِن سماعه، ومن ذلك:

أولاً: ليس كلُّ وقت يصلُح لوعْظ الناس وإرشادهم، فليس مِن الحِكمة - مثلاً - موعظةُ الناس بعْد صلاة الظهر، وهو وقتُ انشغال الناس بأعمالهم وأمور معاشِهم، أو وقت انصرافِ الناس إلى نومِهم وراحتهم في اللَّيْل، وهو مِن أخطاء بعض الوعَّاظ، يُريد أن يُلْقي مواعظَه دون إعطاء أهميَّة لحالِ مَن يدعوهم، وكأنَّه لا يخاطِب بشَرًا، لهم مشاعِرُ وأحاسيس.

ثانيًا: مناسبة الموعظة للحال، والبعض منهم يُلقي دروسًا في الصبر على البلاء، والفِتن الواقعة في الأمَّة، وتحمُّل المصائب والنكبات في يومِ فرَح الناس وأعراسهم، حتى يُحوِّل الفرح إلى عزاء ومصيبة، ومِن الحكمة استغلالُ تلك المناسبة في موعِظة عن الشُّكر، وبيان هَدْي الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الأعراس والمناسبات.

ثالثًا: على الداعي أن يتفرَّسَ في وجوه الحاضرين، ومدَى استعدادهم لتلقِّي ما يُقال لهم، فالموعظةُ الغرضُ منها هو أن يستفيدَ الحاضرون، والبعضُ من الوعَّاظ يرى تملْمُلَ الناس من درْسه وترْكهم لمجلسه، ومع ذلك تراه يستمرُّ في درسه ووعْظه، ويطيل الكلام ويُكرِّر الموعظة، وكأنه يطلب إعادةَ الثقة به، وهذا له نتائجُ عكسية تمامًا، وقد كان مِن هديه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه يُحدِّث بالحديث لو عدَّه العادُّ لأحصاه؛ لذا فمِن الحكمة قطعُ الموعظة إن لم يكن فيها مرغِّب أو مشوق آخر.

رابعًا: عدم توفُّر الوقت الملائم لإلْقاء الموعظة، وليس مِن الضروري إلْقاء الموعظة وكأنَّها حِمْل على كاهله يريد التخلُّص منه، بل الموعظة دُررٌ وفوائدُ أثمنُ مِن المال، لا بدَّ من تحيُّنِ فرصة مناسبة؛ ليُنتفعَ منها، وتقعَ موقعها في النفوس، فتدعوهم للعمل الصالح، وترْك ما أَلِفوه من المنكرات، ويحصُل ذلك عندما يتهيَّأ الداعي إلى إلْقاء موعظته، فيحدُث أمرٌ مفاجئ؛ لذا عليه أن يدَّخِر الموعظة لوقتٍ مناسب آخر.

خامسًا: خيرُ الكلام ما قلَّ ودلَّ: إنَّ إطالة المواعِظ لتتعدَّى أحيانًا ساعة وأكثر، هي مشكلةُ بعض الوعَّاظ، وليعلمْ هؤلاء أنَّ طاقة ذهْن الإنسان محدودةٌ لا يمكن في العادة أن تتابعَ الكلام بتركيز وانتباه لأكثرَ مِن رُبع ساعة، وبعدَها يُصاب الذِّهن بالشرود والتعب؛ ولهذا مِن الأفْضل على الواعظ أن يتَّخذ بعضَ التدابير، مثل: تدوين رؤوس الدرس والخطوط العامَّة منه في ورقة صغيرة؛ لئلاَّ يتحرَّج فيخلط في الكلام، أو يستطرد في أمْر لا علاقة له بصُلب الموضوع، كما يُشاهَد على بعض القنوات الفضائية مِن مواعظَ تتجاوز مدتها الزمنية السَّاعة والساعتين.

ومِن الأخطاء أيضًا في هذا الجانب أنَّ بعض الوعَّاظ يضع له مواعظَ مُقسَّمة على الأيام والشهور، وكأنَّها قوالِب لوضع المستمعين والمدعوين فيها، وهو خطأٌ منهجي في الدعوة، والمنهجُ السليم أن تكون الموعظةُ مما يتلاءَم مع حال المدعوين، فينظر الداعي أيَّ مرَض أو آفة اجتماعية تغلُب على قومِه أو مجتمعه، فيتحدَّث فيها، ويُحذِّر منها، وقد قيل في تعريف الحِكمة هي: فِعْل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي.[9]

إلقاء الدرس قبْلَ وبعْد صلاة الجمعة:
سُئِل عن ذلك فضيلةُ العلاَّمة الألْباني، فأجاب - رحمه الله تعالى -: "الذي نعتقِده ونَدين الله به أنَّ هذه العادة التي سَرَت في بعض البلاد العربية، وهي: أن ينتصبَ أحدُ المدرِّسين أو الخُطباء ليلقيَ درسًا، أو كلمةً، أو موعظةً، قبل أذان الجمعة بنِصْف ساعة أو ساعة من الزَّمان، هذا لم يكن مِن عمل السلف الصالح - رضي الله عنهم - هذا مِن جهة.

ومِن جهة أخرى، فمن المعلوم لدَى علماء المسلمين قاطبةً أنَّ هناك أحاديثَ صحيحةً تأمُر المسلمين بالتبكير للحضور إلى المسْجد الجامع يومَ الجمعة، كمثل قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((مَن راح في الساعة الأولى فكأنَّما قرَّب بَدنةً، ومَن راح في الساعة الثانية فكأنَّما قَرَّب بقَرةً...، وهكذا حتى ذكَر الكبش والدجاجة والبيضة))، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ حَضَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - المسلمين على التبكير في الرواح يومَ الجمعة إلى المسجد الجامع ليس هو لسماعِ الدَّرْس وإلْقائه، وإنَّما هو للتفرُّغِ في هذا اليوم لعبادة الله - عزَّ وجلَّ - ولذِكْـره، وتلاوة كتابه، وبخاصَّة منه سورة الكـهف، والجلوس للصـلاة على النبـيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - تحقيقًا لقوله في الحديث الصحيح، والمروي في السُّنن وغيرها ألاَ وهو قوله - عليه السلام -: ((أكْثِروا عليَّ مِن الصلاة يومَ الجمعة؛ فإنَّ صلاتَكم تبلُغني))، قالوا: كيف ذلك وقد أَرِمْت؟! قال: ((إنَّ الله حَرَّم على الأرض أن تأكلَ أجساد الأنبياء.....)).

أما بعْدَ الصلاة، فقد قال - رحمه الله تعالى -: "إنْ كان أحدٌ يريد أن يُدرِّس فبعْدَ الصلاة؛ حيث يتفرَّغ الناس لسماع مَن شاء منهم، ومَن شاء القضاء، أمَّا أن ينتصبَ المدرس قبلَ صلاة الجمعة فيَفْرِض نفسه على الناس فرضًا، وفيهم المصلِّي والتالي والذاكر، فهذا هو الإيذاءُ للمؤمنين، فلا يجوز"[10].

أمثلة على ما مَرَّ:
الأمثلة في هذا الباب كثيرة، وعلى الداعي أنْ يتعود تدبر سيرة المصطفى والأحوال والظروف التي مر بها[11]، وهديه في موعظة الناس وإرشادهم؛ ليكون على بصيرة من دعوته.

ثم الاستفادة من تجارب الآخرين؛ ليضيف إلى رصيده في الدعوة إلى الله، وهذه أمثلة عامة تناسب أحوال عامة:

1- في بداية شهر رمضان يناسب إلقاء موعظة عن أحكام الشهر الفضيل، وما يَجوز وما ينبغي تجنبه، وفي شهر ذي الحجة ما يتعلق بأحكام الحج وأركانه، والترغيب فيه، وفي ليلة العيد - الأضحى والفطر - ما ينبغي فعله للمسلم من سنن وأعمال صالحة من صِلَةِ رحم وغير ذلك، مع تقديم الدروس مقرونة بالترغيب والترهيب، وفي ليلة الجمعة ما ينبغي على المسلم عمله للحصول على أجر وثواب الجمعة.

2- يناسب في أيام الأفراح والأعراس التحدُّث عن الترغيب في الزواج، وبيان فضائله، وشكر نعمة الله على نعمة العِفَّة والإحصان، وفضل إدخال السُّرور على قلب المسلم، والصلح بين الإخوان.

3- في يوم العزاء وفَقْد الأحبة الحث على الصبر، وتحمُّل المصائب، وثواب الصابرين، وما يترتب عليه من أجر وأهمية الإيمان بالقدر والقضاء، وأن الموت يَجري على كل نفس، وبيان عظم الجزاء للصابرين، والحذر من الجزع والتسخط، وأنَّه لا يأتي بنتيجة، بل يستوجب غضب الله ومقته، وبيان أهمية مواساة المسلم في المصيبة.

4- في وقت حدوث نزاع أو قتال أهمية الصلح بين المسلمين، وأنَّه أفضل درجة من الصيام والقيام، وأن الساعي إليه من أفضل عباد الله، وأن المسلمين إخوة متحابون، وأن الساعي للفتنة من شر عباد الله، وخاصَّة الفتنة بين الزوجين والأحبة، والتفريق بينهما، وأنه من أقرب الناس للشيطان.

5- في وقت احتلال بلاد الإسلام، وانتهاك دياره وحرماته، وسلب خيراته - الحث على الجهاد - النفس والعدو - وأنَّه عز المسلمين وسبب لنصرهم، وأنَّ التخاذُل يوجب تسلط الأعداء، والواجب على كل مسلم إعانة المجاهدين، ولو بالكلمة، وأن من لم يحدث بالغزو مات ميتة جاهلية، ويتم ذلك وَفْقَ مشورة أهل العلم والرأي الصائب؛ كي تؤتي ثمارها.

6- في وقت انشغال الناس بالدنيا وملذاتها، وغفلتهم عن معاني الآخرة وأهوالها، والاستعداد لها - التذكير بأحوال الموتى، وما يلاقيه كل من المؤمن والكافر من نعيم أو عذاب في القبر، وربطه بمعاني التوحيد والعقيدة الإسلامية، وما بعد الموت من نعيم مقيم أو عذاب أليم، والحساب على الصغيرة والكبيرة وَفْقَ ميزانٍ دقيق لا يظلم فيه أحد من عباد الله، والاستشهاد الجيد بالآيات، والأحاديث، والتنوع ما بين حديث وآية وشعر، وقول مأثور، وحكمة جليلة.

7- في وقت وقوع الزلازل والكوارث، ووقوع القتل والفتن، وتكالب الأعداء - الحث على الاعتصام بحبل الله والتوبة، والخروج من المظالم، والتضرع إلى الله، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن ما يقع هو بسبب ذنوب بني آدم وفسادهم، والواجب على كل مسلم التوبة والرُّجوع وعدم التسويف، بل المبادرة والإقلاع عن المعاصي.

8- في وقت الحاجة والفقر، وانتشار العوز في بلاد الإسلام - الحث على الإنفاق في سبيل الله، وأنَّ المال هو وديعة بيد المسلم، وأنَّ الواجب تقديمُ الدعم المادي لإخوة الإسلام في أيِّ مكان مهما اختلفت أشكالُهم وألوانهم، وكذا في وقت نشر الأفكار الهدَّامة ودعمها من قبل المؤسسات الغربية، وغيرها، الواجب تذكير الأمة بأهمية التصدي للباطل، إما بالكلمة أو بالمال؛ لئلا يستشري الباطل، وتضل الأمة عن الطريق القويم، وأنَّ من لم يقم بواجبه فلا يَلومَنَّ إلا نفسه.

9- في وقت خروج الفئات الباغية على شرع الله، ومنازعة أولي الأمر، وقيامهم بأعمال تضر بالمجتمع المسلم من قتل للأبرياء، وسَفْكٍ للدماء - الواجب التحذير منهم ومن أفعالهم، وبيان ما يعتقدونه من أفكار باطلة، وأنه الواجب طاعة أولي الأمر؛ لئلا ينفلت وتكون فوضى في بلاد الإسلام؛ مما يوجب العبث، وتسلُّط الكفرة على ديار المسلمين، ومثله التصدي لأفكار من ينتسب إلى الإسلام في الظاهر وهو يُخالفه في الاعتقاد كالرافضة، فالواجب بيان عقائدهم وضلالهم، وأنَّهم يستعملون التقيَّة في نشر الباطل، فالواجب الاعتصام بين المسلمين، والتصدي لترويج باطلهم وإفكهم.

10- في وقت يرى فيه الداعية أنَّ المسلمين قد هجروا كتاب ربهم، وتدبر آياته، والعمل به - لا بُدَّ من بيان فضل تلاوته، وأنَّه حبل الله المتين، ونجاة المسلم في الدنيا والآخرة، وأنَّه يشفع لقارئه، وأنَّ هجرانه يعني ظلام القلوب والبيوت، والبُعد عن رحمة الله، وبيان فضائله من الآيات والأحاديث، وهذا مِمَّا ينبغي التذكير به في كل مناسبة.

جامع ينبغي التذكير به دومًا:

ينبغي ربط كل موعظة وإرشاد بالأصل العظيم، وهو طاعة الله وطاعة رسوله، وأن نجاة المسلمين وسعادتهم في كل زمان ومكان تكمُن في تحقيق هذين الأمرين، وأي موعظة تخلو من التذكير بهذا الأصل القويم سيكون تأثيرها مؤقتًا، وتصل الموعظة إلى القلوب هامدة ميتة؛ ولهذا ينبغي التذكير بالهدف والغاية التي خلق من أجلها الخلق، ألاَ وهي عبادة الله وحدَه لا شريك له والعمل على مرضاته، وطاعة رسوله الكريم، والتطلع إلى ما عند الملك الكريم من الجزاء العاجل في الدنيا من الاطمئنان، والسعادة الحَقَّة وفي الأجل من الفوز بنعيم الجنة، وما أعَدَّ الله لأهلها من الكرامة والنعيم المقيم، وقد أخبر الله أنَّ أهلَ طاعة الله وطاعة الرسول هُم من أهل الرحمة؛ قال - تعالى -: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71]، وفي الدار الآخرة أخبر بما أعده للمؤمنين والمؤمنات من الخيرات، والنعيم المقيم في جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدًا، فقال - تعالى -: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾ [التوبة: 72].

وصَلَّى الله على محمد عبد الله ورسوله، وعلى آله وصحبه أجمعين.

--------------------
[1] "صحيح البخاري"، (يتخول): يتعاهد، (السآمة): الملل والضجر.
[2] أخرجه أبو داود وغيره مطوَّلاً ومختصرًا من حديث البراء - رضي الله عنه.
وللأخ بلقسام عبدالدائم بحثٌ حول الموعظة عند القبر، وقد خلص إلى ما أشرْنا إليه، تجده على موقِع أهل الحديث.
[3] حديث صحيح أخرجه الشيخان. ‏
[4] رواه مسلم ح (2892).
[5] أخرجه البخاري (5661).
[6] متفق عليه.
[7] العرباض بن سارية في سنن الترمذي - رقم (2676)، وهو حسن صحيح.
[8] الحديث رواه البخاري في صحيحه، وفي رواية للبيهقي: ((الحمد لله الذي أنقذه بي من النار)).
[9] مدارج السالكين (2/479).
[10] من كتاب "الأنباء بأخطاء الخطباء" (ص: 60 - 78) بقلم سعود بن ملوح سلطان العنزي، قدَّم له الشيخ سُلَيم بن عيد الهلالي.
[11] كتاب "زاد المعاد في هدي خير العباد"، لابن القيم، وكتاب "الرحيق المختوم" بحث في السيرة النبوية من أفضل الكتب التي تفيد الواعظ، وتجعله مهتديًا مقتديًا بسنة الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم.




والوقتُ أنفسُ ما عُنِيتَ بحفظهِ        وأراهُ أسهلَ ما عليكَ  يضيعُ!



بهذا أستهل وأوجز ما أودّ أن أتطرق إليه عن الوقت ومدى فائدتهِ علينا، وكيف أننا أهملناهُ كلياً..!

في مجتمعاتنا (الشرق أوسطية)، وفي معمعة الحياة المليئة بعامل البطالة، التي زادت عن مستواها الذي يجب أن تكون عليه في جميع البلدان العربية، في ظل سيطرة الحكومات على اقتصاد البلاد واحتكارها له، والتعامل معها كأملاك خاصة، وكأننا نرجع بذلك إلى حقبة الرأسمالية و(البرجوازية) التي أهلكت الطبقة الفقيرة أو العاملة. 

وبرغم ذلك كله نلاحظ الكثير من عدم المبالاة والإهمال التام للوقت في مجمعاتنا، فباستطاعة أيّ شخصٍ منا أن يشغل نفسه بأي شيءٍ ليس له قيمة، في حين إنه يُهمل الفرصَ الثمينة للوقت ويقضي معظمه في النوم أو اللهو. 

لا قيمة للوقت لدينا..! ولا أهمية منطقية نعبّر بها عن حاجتنا إليه، بل للساعات الطوال التي نقضيها في ميلنا إلى الكسل والنوم ومشاهدة الأفلام والمسلسلات.. 

أمّا الشباب، فلم يبقَ لديهم همٌّ سوى الاستمتاع والرفاهية في الحياة والراحة التي اكتسبوها من الإهمال والكسل.. فلا دراسة، ولا تحصيل علمي، ولا متابعة ولا عمل، متناسين أن الوقت ثمينٌ جداً، ويجب الحرص عليه وعدم ترك دقيقة واحدة دون انتهازها والعمل فيها، فأصبح حالهم كحال من عناهم الشاعر بقولهِ: 
إذا كانَ يؤذيكَ حرُّ المصيفِ        ويبسُ الخريفِ،  وبرد  الشِّتا
ويلهيكَ حُسن  زمانِ  الربيعِ        فأخذُكَ للعلمِ، قل لي: متى؟!
نقف هنا كي نتساءل: لماذا هذا الإهمال...؟

ولماذا نحنُ لسنا كبقية الشعوب؛ فليس للوقت قيمة مادية أو معنوية لدينا؟

ولماذا ليس لدينا تنظيم إداري للوقت؛ في حين إن في البلدان الغربية منظمات مختصة بإدارة الوقت وتنظيمه واستثماره؟! 

هل وَضْعُنا الاجتماعي المتفكك أو البرود التعليمي في هذهِ المجالات هو السبب؟ أو هو إهمالٌ منا نحنُ لعدم وجود دافع أو تشجيع لنا كباراً وصغاراً؟ أو هو التسلط المسبق على أفكارنا وعقولنا؟ 

أصبحنا متأخرين عن باقي الشعوب، وتميزنا بأننا من الدول المتخلفة، ومن العالم الثالث الذي يعد عالماً مهمشاً كلياً! 

وهذا كله لعدم وجود عقولٍ وأفكار مشجعة ونشيطة توجّهنا أو توعّينا بأن الوقت كنزٌ نادر لا يمكن الحصول عليه إذا أضعناه. 

الوقت ثروة إن استطعنا جمعها فسوف نزيد على عمرنا عمراً آخر، فلو ادّخرنا كل ساعة ضائعة في الدراسة أو في التعلم والتثقف وطلب المعرفة أو حتى في التفكير في مشروعٍ صغير أو ما شابه، فسنحطم جدار الكسل ونضع حاجزاً بيننا وبين الإهمال واللهوِ وضياع الوقت.

فمثلاً:
لو جمعنا الدقائق التي نضيعها في غير فائدة؛ فقد نحصل كل يوم على عدةِ ساعات لم تكن في برنامجنا اليومي، ونجمع تلك الساعات فتصبح أياماً، والأيام تصبحُ شهوراً..!

وبهذا نكون قد حصلنا على عمرٍ نزيدهُ على عمرنا، ونكون ناجحين مكتسبين للكثير من الخبرة والمعرفة والثقافة.. والثقة بالنفس أيضاً. 

ولكن مجتمعاتنا -للأسف- لا تهتم بالتوعية والتوجيه عن الوقت ومدى قيمته العملية والفكرية في الحياة، وهذا إهمالٌ آخر من الجهات والمراكز المختصة بالاعتناء بالشباب والمجتمع، مما يؤدي إلى اجتياح الإهمال والعشوائية وعدم المبالاة فينا، وذلك بتسلط أنفسنا الميالةِ للراحة والمرح، فيقضي على التفكير بانتهاز الفرص التي قد تأتينا من ذاك الفراغ الذي هو أثمن شيء في حياتنا إن استطعنا تحريكهُ أو استثمارهُ فيما يفيدنا. 

وكذلك ينقصنا التفكير ومهاراته في انتهاز الوقت وفرصه...

يقول الأستاذ الدكتور أحمد البراء الأميري في كتابه (اللياقات الست؛ دروس في فن الحياة) بأن مهارات التفكير هي:
1- التفكير الناقد.
2- التفكير الإبداعي.
3- التفكير المنتج والتفكير بالنتائج.
ونحن ينقصنا بعض هذهِ المهارات التي إن امتلكناها استطعنا أن نتحكم في أنفسنا وتصرفاتنا ووقتنا، وعرفنا من خلال تفكيرنا أن الوقت كالذهب.. لا بل كالسيف يجب أن نسارع بقطعه في المفيد قبل أن يقطعنا هو! 

كما أنّ لضياع الوقت وعدم التصرف بهِ نتائجَ سلبية كثيرة علينا أيضاً.

أولها الكسل الذي يقتل فينا روح النشاط والتفكير ويُجمد حياتنا بروتين مملّ، وأيضاً عدم المبالاة التي هي أشبهُ بالموت البطيء للروح والعقل، فعدم المبالاة تُشعرنا بقصر الحياة وعدم التلذذ بها. 

لذلك يجب أن نحرص على تنظيم أنفسنا وبرمجتها على اقتناص الفرص وانتهاز وقتنا الضائع خارج دوامنا أو دراستنا أو عملنا... وهذا كلهُ لا يمنع من أن نمنح أنفسنا بعض الراحة والترويح عن النفس والاستجمام؛ لأن هذهِ الراحة أيضاً لها آثار وفوائد كبيرة علينا، لأننا نعطي بذلك نشاطاً لذاكرتنا وقلبنا وروحنا وجسدنا، وقد قال أبو الدرداء رضي اللهُ عنهُ في الترويح عن النفس: إني لأستجم لقلبي بالشيء من اللهوِ ليكون أقوى لي على الحق. 

ولكن؛ من غير أن نفرط في ذلك.. فمشكلتنا هي أننا تعودنا في مجتمعاتنا أن نرتاح ساعة بدلاً من نصف ساعة! يعني أخذنا على أن نضاعف وقت راحتنا!.. وأغلب هذهِ الراحة نقضيها فيما لا ينفع؛ إلاّ من رحم الله.

لذلك، يلزمنا تنظيم إداري مدروس للوقت، أو منظماتٌ إدارية مختصة به، كي نستطيع أن نعطي نتاجاً فيه الفائدة للفرد والمجتمع في آنٍ واحد.



في إدارة الوقت

إن المشكلة التي يعاني منها الناس بشكل عام، والمديرون أصحاب سلطة اتخاذ القرار بوجه خاص، هي هدر الوقت وعدم استغلاله واستثماره بوجه أمثل؛ عن طريق التخطيط والتنظيم
السليمين له، مع عدم تبيُّنهم العوامل والمواقف التي تتسبَّب في هذا الضياع. إن وقت المدير هو أحد الموارد الأساسية المتاحة للمنظمة، بل قد يكون أكثرها ندرةً وأهمها، لذا كان من الواجب استخدامه بحساب دقيق تماماً؛ كالاعتمادات المالية، والموارد الأولية المتاحة، بأعلى إنتاجية ممكنة.

إن إدارة الوقت هي أسلوب إداري شخصي يمكن أن يلجأ إليه ويستخدمه المديرون في مختلف المستويات الإدارية (وحتى غير المديرين)؛ حيث يمكن بواسطته أن يخططوا وينظموا وقت عملهم الرسمي المتاح في المنظمة بشكل يستغلونه ويستثمرونه أحسن استثمار في إنجاز الأعمال المكلفين بها على أكمل وجه، حيث يتركز محور تخطيط الوقت وتنظيمه، في وضع السبل الكفيلة بالقضاء على العوامل والظروف التي تتسبب في ضياع الوقت.

ومن بدهيات إدارة الوقت:
أن الوقت هو أهم الموارد الموضوعة تحت تصرف القائد الإداري، وأن له خصائص محددة لا تتوافر في أي مورد آخر، أهمها:
1- الوقت لا يمكن تعويضه.

2- الوقت لا يمكن ادخاره.

3- الوقت يكلف مالاً فالرواتب والأجور والتعويضات تُدفع في مواعيدها، سواء استخدم الوقت استخداماً جيداً أم لم يُستخدم.

4- الوقت لا يُشترى بالمال.

5- الوقت الضائع لا يُقاس بتكلفته، لكن بنتائجه السلبية التي يحققها سوءُ استخدامه، أو بالنتائج الإيجابية التي يفوتها على المنظمة.

ولكننا في الواقع نشهد بأن الوقت أهون ما يضيعه كثير من العاملين؛ ومن مسببات ضياع الوقت:
1- عدم كفاءة العملية الإدارية؛ من خلال ضعف المعرفة والإلمام والمهارة لدى المدير في استخدام مكونات العملية الإدارية من تخطيط وتنظيم وتوجيه ورقابة.

2- الاستخدام: يتمثل ضياع الوقت في الاستخدام في مجالات الاختيار والتعيين التي تتناسب مع القدرات والإمكانات، فغياب التدريب الجيد يؤدي إلى عدم وجود أفراد فاعلين في المنظمة.

3- الاتصالات: يتمثل ضياع الوقت في مجال الاتصال اللفظي وأدوات الاتصال، حيث إن افتقار المنظمة إلى نظام المعلومات يجعل عملية جمع المعلومات وتوفيرها يستغرق وقتاً طويلاً.

4- كفاءة مستخدمي القرارات:
أ‌- القرارات غير المدروسة ستواجه صعوبات عند تنفيذها حتماً.

ب‌- عدم توافر المعلومات يجعل متخذ القرار يتأخر في عملية اتخاذ القرار.

5- مضيّعات متنوعة:
أ‌- كثرة عدد الاجتماعات، وتشكيل اللجان دون مبرر.

ب‌- كثرة الاتصالات دون مبرر، وبخاصةٍ الشخصية منها.

جـ - الزيارات الصباحية لزملاء العمل.

د- عدم الالتزام بمواعيد العمل الرسمية.

وبطبيعة الحال فإن هناك مصدرين لضياع الوقت هما:
1- الشخص نفسه: هو الذي لا يعرف كيف يستثمر وقته بشكل جيد، نتيجة ضعف مهاراته، وعدم إلمامه بإدارة الوقت وتنظيمه بشكل حسن.

2- الآخرون: مثل الزيارات الشخصية (زملاء العمل لشرب الشاي أو القهوة)، وبشكل خاص في مجتمعاتنا النامية التي يسودها كثير من الخجل الاجتماعي.

عليه نقول: إن المهمة الأولى للمدير هي محاولة الاستخدام الأفضل للوقت، وهذا الاستخدام لا يُقاس بالجهد المبذول وإنما يقاس بالنتائج المحققة؛ فقد يكون الجهد المبذول كبيراً جداً، لكنه منصبٌّ على أعمال فردية لا تحقق النتائج المطلوبة، ومن هنا تنبع أهمية تخطيط الوقت وتنظيمه.

ليس ذلك فقط، بل يجب القضاء على مسببات ضياع الوقت، فكلما كنت مستعداً لتحويل وقت ضائع إلى وقت عمل كلما زادت قدرتك على إيجاد وقت أطول لنفسك، وذلك من خلال:
1- اعتماد الوضوح التام في عملية تحديد الأهداف.

2- مراعاة التنسيق في وضع التوقيت الزمني لتنفيذ الأنشطة المختلفة.

3- إعادة النظر بالإجراءات التي تنفذ بموجبها الأعمال، والعمل على تبسيطها ما أمكن.

4- توزيع العمل على الوحدات الإدارية وعلى الأفراد بشكل متوازن وعادل.

5- الالتزام بتطبيق وحدة الأمر والتوجيه.

6- وضع نظام رقابة فعال، يعمل على تحديد معايير رقابية واضحة ومفهومة.

7- وضع نظام سليم ومدروس للحوافز المادية والمعنوية، من أجل خلق الدافع الإيجابي لدى العاملين.

8- السعي لتطوير قدرات الفرد على الاتصال اللفظي.

9- إدخال أدوات اتصال ذات تقنية حديثة، تساعد على نقل الاتصالات بشكل سريع وواضح.

10- تبنيِّ نظام معلومات فعال من أجل توفير المعلومات والبيانات التي يحتاجها متخذو القرارات بدقة وسرعة.

11- الحدُّ من الزيارات الشخصية بشكل لبق.

12- الحدُّ من الاتصالات الهاتفية الشخصية بشكل لبق.

إن القضاء على هذه المسببات يحقق لنا معادلة الوقت الآتية:
تخطيط وتنظيم سَلِيمان للوقت + القضاء على مسبِّبات إضاعة الوقت = إدارة فعالة للوقت.



أهمية الوقت
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم إن من المعلوم عند كل مسلم أن لله تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته ، وأنه لا يقسم إلا بعظيم ،
وكلما تكرر القسم بشيء دل على أهميته ، ولو تدبرنا قوله تعالى (والفجر) آية 1 من سورة الفجر . ، وقوله عز وجل ( والليل إذا يغشى 1* والنهار إذا تجلى2 )آية 1 ، 2 ، من سورة الليل وقوله سبحانه ( والضحى 1* والليل إذا سجى ) ، من سورة الضحى .، لوجدنا أنها أجزاء الوقت . ثم تدبر أيضاً قوله تعالى : ( والعصر ) آية 1 من سورة العصر ،تدرك أنه أقسم بالزمان كله ، وما هذا إلا لأهميته ، وهذه الأهمية مصدرها أن الوقت هو الزمن الذي تقع فيه الأعمال ، وهذه الأعمال ( خيرها وشرها ) هي التي يقدمها البشر لينالوا بها جزاء الخالق . 
إذا عرفنا تبين لنا أهمية الوقت ، فهو في الحقيقة حياتنا على هذه الأرض لكي نقدم فيها ما يوصلنا إلى الغاية التي لأجلها خلقنا ، فالوقت هو الحياة . 
و الوقت نعمة وأمانة يضيعها كثير من الناس ، يضيعونها على أنفسهم ، وعلى أمتهم ، قال صلى الله عليه وسلم ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ) . رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب ما جاء في الرقاق 11/229 ، ح (6412) وللوقت خاصية ، وهي إنه إذا ذهب لم يرجع ، وهذا يدفعنا لاستغلال كل لحظة منه ، كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول : ( إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك ).رواه البخاري موقوفاً في الرقاق 2 باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ( كن في الدنيا كأنك غريب ) رقم (6416) من مظاهر الفراغ : 
إن من تراه يجول في الشوارع الساعات الطوال بلا هدف ، مضيع لوقته ، ومن تراه يجلس الساعات الطوال يرغب ما لا يعود عليه في دينه ولا في دنياه ، مضيع لوقته ، وكل من اشتغل بما لا يرضي الله فقد ضيع وقته . 

التحسر على فوات الأوقات : 
إذا تنبه العاقل ، وتذكر ما مضى من أيام عمره ، فإنه يندم على الساعات التي قضاها في اللهو والبطالة ، وأشد ساعات الندم حين يقبل المرء بصحيفة عمله ، فيرى فيها الخزي والعار ، قال تعالى : ( يومئذ يتذكر الإنسان وإنا له الذكرى 23، يقول يا ليتني قدمت لحياتي 24).الآيتان 23 ، 24 من سورة الفجر . وقال تعالى : ( أن تقول نفس يا حسرتي ما قطرت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين ).آية 56 من سورة الزمر . 
فالعاقل من ندم اليوم حيث ينفعه الندم ، واستقبل لحظات عمره ، فعمرها قبل أن يأتي اليوم الذي لا ينفع فيه الندم . 

من أسباب تضييع الوقت : 
1ـ عدم وضوح الغاية : 
إن عدم وضوح الغاية ، أو عدم وجودها ، أو عدم التفكير فيها ، أو عدم الانشغال بها والسعي لأجلها هو أعظم سبب لضياع الأوقات . 
فمن حدد هدفاً يسعى إليه ـ أياً كان الهدف ـ فإنه لن يضيع وقته ، فالطالب الذي يريد التفوق لا يكثر اللهو ، ومن يريد الزواج يسعى لتحصيله بأسبابه ، ومن يريد أن يكون تاجراً يسعى لتحصيل ذلك ، وهكذا فحري بمن غايته الوصول إلى الجنة ونعميها أن يسعى جاداً لتحصيلها ، قال تعالى : (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنةٍ عرضها كعرض السماء والأرض ).آية 21 من سورة الحديد . 
وفي الحديث ( من خاف أدلج ، ومن أدلج بلغ المنزل ، ألا إن سلعة الله عالية ، ألا إن سلعة الله الجنة ).رواه الترمذي ، كتاب صفة القيامة ، باب (18) ح (2450) وقال حديث حسن غريب ، ورواه الحاكم 4/307،308 ، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه . 
وكل هدف نبيل يسعى المؤمن لتحصيله فيه إصلاح دينه ، أو دنياه ، أو أمته ، إذا أخلص فيه النية ووافق فيه الطريقة الشرعية فإنه طريق لتحصيل تلك الغاية . 
2ـ مرافقة الزملاء غير الجادين الذي يضيعون الأوقات سدى ، ولا يستفيدون من عمرهم وشبابهم . 
3ـ الفراغ ، وعدم معرفة ما ينبغي أن يشغل به وقت . 
4ـ كثرة الملهيات والمغريات فإذا انشغل بها المؤمن ضاع وقته وخسر عمره . 
5ـ قلة الأعوان ـ من الأهل والأصحاب ـ على استغلال الوقت . 

استغلال الوقت : 
ينبغي العناية بالوقت وملئه بالعمل حتى لا يوجد فراغ ، فالفراغ داعٍ إلى الفساد ، والنفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية . 
إن الشباب والفراغ والجده مفسدة للمرء أي مفسدة 
إن وضوح الهدف ، ومعرفة أهمية الوقت ، سبب لاستغلاله ، فعليك بترتيب وقتك وتنظيمه واستغلاله بأن تجعل لك جدولاً يومياً وأسبوعياً وخلال الإجازات لكي تستغل وقتك على الوجه المطلوب . 
وصور استغلال الوقت أكثر من أن تحضر ، ومنها المحافظة على الصلوات في الجماعة ، والتبكير إلى المسجد وذكر الله ، وقراءة القرآن وخدمة الوالدين ، وصلة الأرحام ، والزيارات النافعة ، وعيادة المرضى ، والتعلّم والتعليم ، والدعوة إلى الخير ، والتفكر في خلق الله ، والتفكير في مصالح نفسك ومصالح وطنك وأمتك ، والعمل النافع المنتج ، وكتابة البحوث ، وحضور حلق العلم والقرآن ، والاستماع لكل نافع ومفيد ، ومساعدة المحتاجين و، وغير ذلك كثير ، بل إن انشغالك بالمباح ، ولو كان نوماً أو اضطجاعاً بنية ترويح النفس لتستعيد نشاطها وتقوى على الطاعة ـ من استغلال الوقت . 
قال معاذ رضي الله عنه : أما أنا فأنام وأقوم ، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي . رواه البخاري ، كتاب المغازي ، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن 8/60 (ح4341 ، 4342 ،4344،4345) ومسلم كتاب الإمارة ، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها 3/1456 برقم (1733) . 
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : معناه أن يطلب الثواب في الراحة ، كما يطلبه في التعب ، لأن الراحة إذا قصد بها الإعانة على العبادة حصل بها الثواب .أهـ.فتح الباري 8/62 بتصرف يسير . 
والمراد بقومته هنا : قيامه الليل وصلاته . 

من صور الحرص على الاستفادة من الوقت : 
1- قال عبد الرحمن بن حاتم الرازي عن حاله مع أبيه ( أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي ) : ربما كان يأكل فأقرأ عليه ، ويمشي وأقرأ عليه ، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه ، ويدخل البيت لطلب شيء وأقرأ عليه سير أعلام النبلاء 13/251.. 
2- قال عبد الرحمن بن أبي حاتم : كنا بمصر سبعة أشهر ، لم نأكل فيها مرقة ، كل نهارنا مقسم لمجالس الشيوخ ، وبالليل النسخ والمقابلة ، قال : فأتينا يوماً أنا ورفيق لي شيخاً ، فقالوا : هو عليل ، فرأينا في طريقنا سمكاً أعجبنا ، فاشتريناه ، فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس ، فلم يمكنا إصلاحه ومضينا إلى المجلس ، فلم نزل حتى أتى عليه ثلاثة أيام وكان أن يتغير ، فأكلناه نيئاً ، لم يكن لنا فراغ أن نعطيه من يشويه ، ثم قال : لا يستطاع العلم براحة الجسد . سير أعلام النبلاء 13/266. 

ومسك الختام الله أسال للجميع العلم النافع والعمل الصالح 



خمسون طريقة فعالة لإدارة الوقت
كثير منا يشتكي طوال العام من ضيق الوقت ومن أنه لا يجد وقتا حتى لقراءة ربع حزب من القرآن الكريم يوميا، بينما إدارة الوقت جزء من ديننا وتراثنا وثقافتنا. كثيرة هي الآيات والأحاديث
والآثار التي تحثنا على الاهتمام بالوقت وحسن إدارته ومن ذلك قوله تعالى "والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" سورة العصر، وفي الحديث "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ" رواه الشيخان. 
وفي الأثر أن ما كتبه ابن جرير من مؤلفات طوال حياته يعادل 14 صفحة يوميا (كتابة وليس قراءة) بمعنى أنه لو قسمنا عدد صفحات ما ألفه ابن جرير على عدد أيام حياته لكانت بمعدل 14 صفحة يوميا.

نعود للموضوع لنسرد هذه الطرق الكفيلة بأن تحفظ الوقت وتزيده بركة وإنتاجيه:

1ـ الإدارة الجيدة للوقت لا تعني العمل المتواصل المرهق فلقد ولى زمن التعب والإرهاق في العمل، 
2ـ لابد من توزيع الوقت بين العمل والمنزل والصحة والنفس والعائلة "فأعط كل ذي حق حقه"، 
3ـ الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، 
4ـ يجب أن يكون لديك قائمة للمهام المكتوبة يوميا على الأقل ويحبذ أسبوعيا وشهريا وسنويا، 
5ـ تذكر أن 70% من الوقت يهدر فيما لا فائدة فيه، 
6ـ وأن 15% من الوقت يهدر في المجاملات، 
7ـ لابد من تفويض مهامك لغيرك، 
8ـ ابدأ بالمهم والمستعجل من أعمالك، 
9ـ انتبه لما يطلبه منك مديرك، 
10ـ ساعد موظفيك مباشرة ولا تقل لهم أعطوني مهامكم لإنجازها نيابة عنكم، 
11ـ حاول أن تبدأ بالأعمال الهامة وغير المستعجلة أولا بأول، 
12ـ إذا أخرت أعمالك لآخر لحظة فسوف تعيش سياسة إطفاء الحرائق أو ما يسمى بإدارة الأزمات من أزمة إلى أخرى، 
13ـ إذا بقيت دون خطة اجتثك الآخرون وبقيت تخدم أهدافهم وأولوياتهم وتعيش في فلكهم، 
14ـ وزع وقتك بالنسب المناسبة لكل أهدافك في الحياة ابتداء من الدار الآخرة ومرورا بالعائلة والوظيفة وانتهاء بالتسلية والاسترخاء، 
15ـ أهدافك يجب أن تكون مقاسة ومحددة ويمكن تحقيقها ومناسبة ولها وقت محدد لتنفيذها، 
16ـ إذا لم تخطط لوقتك ستندم يوما ما ، 
17ـ يجب أن تكتب أهم عشرة أهداف لك في الحياة وتضعها قبل أن تأوي على فراشك اليوم، 
18ـ قائمة الأعمال اليومية يجب ألا تقل عن 7 مهام عملية لتنفيذها غير فطرية إذاً لا تكتب الأكل وخلافه، 
19ـ جدول إجازاتك الفصلية والسنوية وتحدث عنها كثيرا فالجسم يتوق للراحة والاستجمام ويبدع إذا ما عرف أن هناك إجازة في انتظاره، 
20ـ تحسس مواهبك واستثمرها بشكل أفضل ونقاط ضعفك وقوها وعالجها، 
21ـ عش في المربع الثاني في مصفوفة الزمن أي ابدأ بالأهم فالأهم قبل أن يصبح مستعجلا، 
22ـ تعرف على ساعات الأصيل في يومك وعلى ساعات الاسترخاء كذلك، ساعات الأصيل هي الساعات التي تبدع فيها وتكون ذا حيوية ونشاط وساعات الاسترخاء هي تلك التي تقل حركتك ونشاطك فيها، وعادة ما تكون ساعات الأصيل في الصباح الباكر باستثناء بعض الفنانين والأدباء والشعراء الذين تكون ساعات الأصيل لديهم بعد الظهر أو في المساء، 
23ـ افعل أهم وأفضل شيء من أعمالك اليومية في ساعات الأصيل في يومك ولا تضيعها في النت أو قراءة الجريدة، 
24ـ جمع مواعيدك لا تدعها مبعثرة بحيث لا تضيع وقتك في التنقل بينها، اجعل موعد طبيب الأسنان بعد موعد الحلاق حتى لا تتكبد مشوارين، 
25ـ حاول أن تحسب كيف تقضي وقتك ولو يوما واحدا في السنة بحيث تسجل الوقت المستغرق في كل عمل تعمله لمدة يوم وستنتهي بنتائج مذهلة قد تغير مجرى حياتك للأفضل، 
26ـ ركز على الهام في حياتك ولا تنشغل ببنيات الطريق، 
27ـ استفد من الوقت الضائع كوقت انتظار الطائرة أو طبيب الأسنان ولا تتعامل مع الطبيب الذي لا يعطيك موعدا مسبقا محددا، 
28ـ استخدم جداول التخطيط اليومي والأسبوعي والشهري الدفترية منها أو الرقمية وفي الجوال والحاسب الكفي كم هائل منها، 
29ـ يقولون في الغرب Time is Money ونحن نقول الوقت أغلى من الذهب، 
30ـ حل المشاكل المحتملة أولا بأول ولا تكون فضوليا فيما لا فائدة منه، 
31ـ الحياة قصيرة لا تنغصها بكثرة الأعداء والمشاكل والمنغصات، 
32ـ صفح تتبعه راحة بال أفضل لك من عداوة تنتصر فيها على خصمك ولكن على حساب صحتك ووقتك، 
33ـ قلل بالتجربة ساعات نومك وبالتدريج، 
34ـ اجعل الاجتماعات أقصر ما يمكن، 
35ـ لا تزعج نفسك بكثرة الورق والملفات والملزمات من حولك رتب ما تحتاج وألق بالباقي في سلة المهملات، 
36ـ فرق بين التميز في العمل والمثابرة لحد الوسواس، 
37ـ فوض فوض فوض، 
38ـ تعلم كيف تعمل شيئين معا كالرد على الهاتف وقراءة بريدك الإلكتروني، 
39ـ تعلم أن تقول لا لمن يضيع وقتك، 
40ـ رتب مكتبك حتى يمكن أن تصل للأشياء دون أن تقوم من مقامك، 
41ـ احتفظ في مكتبك بمخزون جيد من المستهلكات التي لا تتلف مثل الورق والحبر والقرطاسيات فما أسوأ أن تخرج ليلا تبحث عن سوبر ماركت لتشتري ثوب ورق تطبع عليه تقريرا مستعجلا، 
42ـ كون لك شبكة من العلاقات والمعارف والأصدقاء تسهل أمورك بطرق مشروعة وصحيحة خاصة في مجتمعنا، حيث تعود بعض الموظفين أن يعطيك المعلومة بالقطارة، 
43ـ ليكن مكتبك في العمل معاكسا لحركة المرور في الشركة ولا تواجه الباب لأنك لست شرطي مرور وسيأتيك الكثيرون يسألون أين هذا الموظف أو ذلك المكتب وحتى دورة المياه، 
44ـ دع من يزورك ويضيع وقتك أن يرى الساعة بوضعها خلفك لا أنت تراها خلفه وتتلظى لضياع وقتك معه، 
45ـ لا توفر مقاعد مخملية وفخمة في مكتبك تغري الزائر بالبقاء أطول مدة ممكنة عليها، تذكر أن مطاعم الوجبات السريعة توفر مقاعد صلبة بعض الشيء يملها الزبون بعد 15 دقيقة وهي وقت تناول الوجبة، 
46ـ كن حازما مع من يضيع وقتك، 
47ـ زر من يضيع وقتك ولا تدعه يزورك لأنك تكون صاحب مبادرة المغادرة بينما لا تستطيع أن تطلبه بمغادرة مكتبك، 
48ـ استخدم الإشارات ليعرف الجميع أنك مشغول ولا وقت لك لتضييعه كأن تعمل بدون غترة أو تقفل باب مكتبك، 70% من الناس يحترمون إشارات من هذا النوع، 
49ـ اسكن قريبا من عملك توفيرا للوقت، 
50ـ لا تتحدث في الهاتف أكثر من 5 دقائق متصلة.

أخيرا، يذكر لي طبيب أسنان مشهور أن معظم أعذار مرضاه قلة الوقت حتى إنهم لا ينظفون أسنانهم بشكل جيد رغم أن الواحد منا يقضي ما يصل إلى 12 ساعة أسبوعيا في المناسبات الاجتماعية، ويضيف لو نظم الناس أوقاتهم لأقفل الكثير منا عيادات طب الأسنان!

خبير الاعشاب والتغذية العلاجية (خبير الاعشاب والتغذية العلاجية ) Powered by Blogger Design by Blogspot Templates